الشيخ محمد رشيد رضا

418

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وتفسير قوله تعالى من سورة البقرة ( 2 : 257 اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ) الآية « 1 » * * * ثم فصل تعالى ما في هذه الآية من الاجمال بقوله وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ( الذرء ) فسروه بالخلق ، وذرأنا خلقنا كما قال ابن عباس وغيره وهو تفسير مراد ولكل مادة معنى خاص وقد تقدم معنى مادة خلق وسنعيده . وقال الراغب : الذرء اظهار اللّه تعالى ما أبدأه يقال ذرأ اللّه الخلق أي أوجد أشخاصهم وذكر هذه الآية وغيرها وقال : وقرئ تذرؤه الرياح . وفي اللسان بعد تفسير الذرء بالخلق والاستشهاد بالآية : وقال عز وجل ( جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ) قال أبو إسحاق : المعنى يذرؤكم به أي يكثركم بجعله منكم ومن الانعام أزواجا . . . ثم قال « أعوذ بكلمات اللّه التامات من شر ما خلق وذرأ وبرأ » وكأن الذرء مختص بخلق الذرية . وفي حديث عمر ( رض ) كتب إلى خالد : واني لأظنكم آل المغيرة ذرء النار - يعني خلقها الذين خلقوا لها ، ويروى ذرو النار ، يعني الذين يفرقون فيها ، من ذرت الريح التراب إذا فرقته اه المراد منه . وفي الأساس : ذرأنا الأرض وذروناها ، وذرأ اللّه الخلق وبرأ الخ فإذا تأملت مع هذه الأقوال استعمال القرآن لهذا الحرف في النبات والحيوان والانسان خاصة علمت أن الذرء في أصل اللغة بمعنى بث الأشياء وبذرها وتفريقها وتكثيرها وان اسنادها إلى اللّه تعالى بمعنى خلق ذلك أي ايجاده ، كما أن أصل معنى الخلق التقدير ويسند إلى اللّه تعالى بمعنى ايجاد الأشياء بتقدير ونظام لا جزافا ، ولهذا عطف الذرء والبرء على الخلق في حديث الدعاء المتقدم ( والجن ) الاحياء العاقلة المكلفة الخفية غير المدركة بحواس البشر ، ولعل تقديمهم هنا في الذكر على الانس أنهم أكثر أهل جهنم لأنهم أجدر وأعرق في الصفات الآتية التي هي سبب استحقاقها ، وكون خلق أصل نوعهم وأوله من

--> ( 1 ) آية الانعام في ص 194 ج 8 تفسير وآية البقرة ص 40 ج 3